دراجة السيسي.. ونكسة الطُرُق
بعد أن فشلتُ في إيجاد أي وسيلة مواصلات تقِلني من شارع جامعة الدول العربية إلى وسط البلد، قررت تنفيذ طلب وزير الدفاع - في ذلك الوقت - المشير عبد الفتاح السيسي، بأن أصل إلى وجهتي سيرًا على الأقدام.
مشيت إلى منطقة الدقي ومنها صعودا نحو كوبري 6 أكتوبر، ثم على الرصيف من بداية الجسر إلى نهايته في ميدان عبد المنعم رياض، لكن في غضون ذلك، حدث ما لم أتوقعه!
في وقتٍ لاحق من ذلك اليوم.. أطلق الرئيس السيسي ماراثون الدراجات من الكلية الحربية في مصر الجديدة، ودعا شعبه إلى ترك السيارات، لتوفير استهلاك الوقود، والتخفيف عن موازنة الدولة مخصصات دعم المحروقات والطاقة.
قد تبدو لي دعوة الرئيس - وأنا من محبي ركوب الدراجات- ملائمة في البلد الذي أعيش فيه بعيدًا عن مصر، فالشوارع هنا صُممت بعناية لتتسع للجميع ولكل وسائل النقل المعروفة، بل إن استخدام الدراجة كوسيلة للتنقل، هو أمر محمود وغير مقترن بأي خطر، فهو صحي تمامًا ومفيد وممتع، لكنه في ما يبدو على النقيض في بلد مثل مصر، أو مدينة كالقاهرة، حيث تتشبع الطرق برائحة الموت.
لغة الأرقام تتحدث.. فلا تُخطئ، إذ إن منظمة الصحة العالمية، تضع مصر بين أسوأ 10 دول على مستوى العالم في حوادث الطُرُق، وفي المرتبة الأولى أوسطيا بنحو 13 ألف قتيل و60 ألف مصاب سنويا، بمعدل قتيل و4 مصابين وحادثتين في الساعة الواحدة تكلف الدولة خسائر تبلغ نحو ملياري دولار سنويًا.
ولا عجب أن عدد القتلى من حوادث الطرق سنويا في مصر يقترب كثيرًا من عدد من قُضوا خلال نكسة يونيو التي مُنيت فيها الأمة العربية بخسائر فادحة على كافة الأصعدة، فلكل زمن نكسته.
كنت أسير أعلى جسر 6 أكتوبر، ملتصقا بالسور الحديدي الذي يفصله عن الهاوية تارة وعن نهر النيل تارة أخرى، ولأن الدراجات النارية عجزت عن إيجاد مسار لها بين السيارات بسبب زحمة السير، فقد قفزت إلى الرصيف لتجتاز المسافات بسرعة ومن دون توقف.
كان المشهد عبثيا إلى أقصى درجة، فأجساد سائقي الدراجات النارية كانت ترتجف بشدة صعودا وهبوطا فوق ماكيناتهم السريعة التي تدوس الحفر والنتوءات الأرضية، مخلفة وراءها كميات ضخمة من العوادم والأتربة، وكأن السقوط في النيل مصيرهم، بل ظننت أن أسوأ سيناريو هو الاصطدام بي فأهوي إلى النهر غرقًا أو أن أتحول إلى ربع طن من اللحم المفروم الملتصق بجدار الجسر.
تحتاج الحكومات الفاشلة دائما إلى تبرير عجزها، فهي تتهم الشعوب بمسؤوليتها عن سوء التنظيم وعن تعمد الجهل ورفض قواعد الحياة المنظمة. لكن في الحقيقة، وبحسب كل التجارب التي شاهدتها في دول عدة حول العالم، فإن البشر يستجيبون للنظام إذا وجد، ويحبونه إذا حقق العدل، ولا يتركونه إذا عزز المساواة وحافظ على الكرامة، وخلق الرفاهية والأمن.
المصريون في كل بلاد المهجر، يمتثلون للقانون ولا يخالفونه، بل تجدهم ملكيين أكثر من الملك في الحفاظ عليها والانصياع لقواعد النظام العامة، فلا يقطعون إشارة المرور الحمراء ولا يلقون القمامة على الأرض.. لكنهم لا يترددون في خرق كل القواعد والقوانين عندما تطأ أقدامهم مطار القاهرة.. لماذا ؟
ولماذا يجب علينا ترشيد الكهرباء وخفض استهلاك الوقود، واستخدام الدراجات أو المشي في شوارع تعج بالفوضى والزحمة، والتلوث؟ ولماذا يجب أن نتحمل وحدنا كلفة تخاذل الدولة عن القيام بواجباتها؟ ولماذا يجب أن نموت دهسا أو فرما، أو غرقا، أو أن تتعرض النساء للتحرش لو فكرنَّ في السير على الأقدام؟ وماذا سيحدث إذا استجبنَّ لدعوة الرئيس وقررنَّ ركوب الدراجات! هل تستطيع الدولة أن توفر لهن الأمن والأمان؟
أطالب الرئيس السيسي بطرح نمط مختلف عمن سبقوه، أطالبه ألا يعيد إنتاج أسلوب الدولة القديمة بتخلفها واستبدادها وفشلها، أطالبه أن يُمكن حكمه بتعظيم الابتكار وتفضيل التفكير العلمي ومجاراة تجارب العالم المتقدم، أطالبه أن يقول كفى لكل الممارسات البالية التي أدارت الجمهورية خلال 60 عاما فأوصلتنا إلى ما نحن فيه من فشل.. أطالبه أيضا أن يفكر خارج الصندوق!
إنَّ استبدال السيارة بالدراجة، يجب أن يقترن بضخ استثمارات ضخمة في إعادة هيكلة البنية الأساسية وإعادة تخطيط الطرق وقطاع النقل والعمل على تغيير سلوكيات الشارع المصري، بتطوير مناهج التعليم وتعزيز المعرفة والتوعية، فاستمرار الوضع الحالي سيكون وبالا على البلاد من ضحايا جدد بلا ذنب يدفعون ثمن غياب رؤية الدولة وضعف قدرتها على التخطيط والتنظيم.
إذا أراد السيسي أن يُغير نمط النقل، فإن عليه تغيير نمط الحياة، ليخرج الشعب الحي من البلد الميت، تلك هي مسؤوليته وحده دون غيره، ولن يتمكن من ذلك قبل أن يجد لمصر مكانا في قاطرة التطور والتقدم العلمي وبناء مؤسسات حقيقية.
الطريق إلى ركوب الدراجات يبدأ من تأسيس دولة مدنية حديثة لا تُقصي أحدًا، أركانها العلم والابتكار والعمل.. والعدل أيضا.
*نشر المقال يوم الثلاثاء، 24 يونيو 2014
موقع دوت مصر
تعليقات
إرسال تعليق