سيادة المُتحرش المُحتمل

دقَّق ضابط الجوازات البولندي النظر إلى جواز سفري وهو يفحص التأشيرة التي حصلت عليها قبل أيام لدخول بلاده، رمقني بنظرة سريعة قبل أن يسأل عن سبب الزيارة، وعن موعد المُغادرة، وعن الأماكن التي أعتزم الإقامة فيها؟ أجبته بكل وضوح، وأنا أقدر نظرة الشك تلك التي ترتابه في كل مرة، ربما يضطر فيها إلى طبع ختم الدخول على جواز السفر المميز هذا.. فهو يحفظه عن ظهر قلب.
كنت أرقب عينيه وهو يسجل كل بياناتي، قبل أن يطلب مني صورة عن بصمة أصابعي. فهو - رغم تعامله الودود - كان ينظر بريبة إلى جواز سفري المعنون بالكثير من الحقائق المخيفة له، ولأبناء بلاده من كل ما يأتي من مواطني الدولة المُصدرة لهذا الجواز.
تذكرت وقتها، عبارة قالتها لي سيدة بولندية التقيتها لاحقا في وارسو: "في بلادكم تعاقب المرأة التي تتعرض للاغتصاب أو للتحرش الجنسي، وتتركون الجاني حراَ". لم أستطع الرد، فالحقائق في هذا الشأن معروفة، ومُعلنة، ولا داعي للتبرؤ منها أو إنكارها أو تجميلها. في بلادنا يُلتمس العذر للمُتحرش، وتغطي المرأة جسدها حتى لا تثير غرائزه الحيوانية البحتة.. فإذا ما تحرش بها، سألنها "لما ذهبت إلى مكان الجريمة".
لم أحاور الضابط، فأنا أقدر ما كان يفكر فيه، فالواقف أمامه هو مواطن ينتمي إلى إحدى دول الفشل في العالم الثالث، والتي يعاني ما يزيد على عشر سكانها من مرض الفشل الكلوي، ويعاني العشر الآخر من فشل الكبد و"فيروس سي" القاتل، كما يوجد بها أيضا نظام تعليم فاشل ينتج عقول مريضة مهما تعلَّمت، بل إن أكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر، ويعاني أكثر من نصف شبابها من شبح اسمه البطالة.
نعم.. الواقف أمامه قادم من دولة صاحبة أعلى نسبة تحرُّش جنسي في العالم، والتي ينتشر بين أبنائها الشعور بالكبت والظلم وغياب العدالة، بل وشيوع ظواهر غريبة لا يعرفها هو مثل انقطاع الكهرباء، والعطش للماء النظيف، بل والموت احتراقًا في قطارات بدائية أو غرقًا في سفن تفتقد أدنى وسائل الأمان، أو دهسًا تحت إطارات السيارات في شوارع تختنق من الازدحام المروي.
كان الرجل يتفحص قاعدة بياناته باحثًا عن شيء ما، وفي الخلفية يرى كلانا مشاهد لعشرات الجثث لشباب مصريين غرقوا عندما حاولوا عبور البحر إلى "الجنة" في بلاده، أو سقطوا في غياهب الجب لأن "سفينة نوح" التي أقلت أقرانهم فاتتهم هربا من جحيم الفوضى في اللادولة التي يعيشون فيها!
ربما تسأل.. ماذا سيفعل هذا القادم من بلد "التحرش الجنسي" بين نسائنا "الأكثر جمالا بين فتيات أوروبا"؟ أدركت مخاوفه من أن أكون قد نويت البقاء هنا لأُطارد نساء وطنه بنظراتي الممتلئة بالشهوة، أو أن أتعدى ذلك لتكرار ما فعله أقراني في نساء بلدي!!
هناك مخاوف أيضا من أن أنازع أبناء وطنه لقمة العيش التي أفتقرها في وطن يعيش على المعونات الخارجية لأن قادته فشلوا عبر سنوات طويلة في إيجاد الدخل اللازم للتنمية، وعجزوا عن صياغة إدارة رشيدة للاقتصاد المحلي، ولم ينجحوا عبر سنوات في حماية امرأة ضعيفة من التحرش في حافلة عامة بتركيب كاميرات ترصد المتحرشين لتتعقبهم جنائيًا!
ربما أنا هُنا لأعالج من مرض عضال في مصحاتهم المجانية، بعد أن ضاقت بي السُبُل في مستشفيات بلادي غير الآدمية، أو خوفًا من دخول غرفة عمليات لإجراء جراحة بسيطة أخرج منها من دون كُليتي اليسرى، أو أن يرقص الطبيب على "بشرة خير" وهو يعطيني جرعة البنج المُخدر!
كان الضابط ينظر إليّ مُترددا، هل أختم جوازه بحبر المرور، أم أعيده على أول طائرة إلى موطنه الأصلي، فبلاده لن يزيدها غنى ما سينفقه هذا - المتحرش المحتمل - في فنادقها أو مطاعمها! لكنها القوانين، التي لا يستطيع خرقها، كما أن هُناك وسائل أخرى للتعامل معي إذا خالفتها داخل دولته، فهو أيضا لا يزال مُطمئنا.
منحني الختم مُرحبًا بعد أن تأكد من أن كل أوراقي سليمة.. أخذتها وخطوت إلى داخل الحدود مُبديًا عدم انزعاجي.. فالشهرة التي حصلنا عليها عند هؤلاء الناس كغوغاء وبدائيين تسبقنا أينما نذهب، فمنظر المرأة التي اغتصبت في التحرير وسط آلاف المحتفلين سيبقى وصمة عار على جبين كل منتم لــ "جمهورية التحرش".
عزيزي المواطن.. الكل الآن يراك سيئًا إلى أن تُثبت العكس، فلا تفرط في إظهار السوء.. وكن مُتحضرًا.

*مقالي المنشور يوم الخميس، 12 يونيو 2014 
موقع دوت مصر

تعليقات